نرجسية اللغة - محمود شاكر أنموذجاً (14)


.


12/1/2021

المصدر-جريدة الرياض





 

38- وروى ابن سلام قول الأحوص: " أُتِيحَتْ لنا إحْدى كلابِ بنِ عامرٍ - وقد يُقْدَرُ الحَينُ البعيدُ ويُجْلَبُ" (2/665)، فعلق محمود شاكر: "إحدى: تُسْتعمل للتعظيم، كأنها انفردت عن النساء جميعا ليس لها منازع، وهذا التعبير كثير في شعرهم، منه قول لقيط بن زرارة: تامَتْ فؤادَكَ لو يَحْزُنْكَ ما صَنَعَتْ - إحدى نساءِ بني ذُهْلِ بنِ شيبانا، وقول النابغة: إحدى بَلِيٍّ وما هام الفؤادُ بها - إلا السَفاهَ وإلا ذُكْرَةً حُلُما". أقول: هذه من استدراكاته التي نسجها من أوهامه، وكأنه التقط أولاً رأس الخيط من قول الزمخشري في قوله تعالى: (إنها لأحدى الكُبَر): "معنى كونها إحداهنّ أنها مِن بينهنّ واحدة في العِظَم لا نظيرة لها، كما تقول: هو أحد الرجال وهي إحدى النساء"، ومن قوله في آية: (ليكونُنَّ أهدى من إحدى الأمم): "في (إحدى الأمم) وجهان؛ أحدهما: مِن بعض الأمم، ومِن واحدة من الأمم من اليهود والنصارى وغيرهم. والثاني: من الأمّة التي يُقال لها: "إحدى الأمم"، تفضيلا لها على غيرها في الهدى والاستقامة". وعلّق الطِّيْبِي في حاشيته: "هذا كما يقال: واحد القوم وأوحد العصر أي أفضلهم"(فتوح الغيب المطبوع مع الكشاف 16/140، 12/669، ط دبي). وضعّف القزويني في "الكشف" الوجه الثاني قائلاً: "دلالتها على تفضيلها على سائر الأمم ليس بالواضح"، وكذلك ضعّفه الدماميني قائلاً: "الذي ثبت استعماله للمدح "أحَد" و"إحدى" مضافين إلى جمع من لفظهما، واستعملوا ذلك أيضاً في المضاف إلى الوصف نحو: هو أحد العلماء، أما في أسماء الأجناس مثل الأمم ففيه نظر"(انظر خزانة الأدب 7/349. وحاول الخفاجي التخريج لقول الزمخشري). وردّه ابن عاشور قائلاً: "بناه [الزمخشري] على التنظير بما ليس له نظير وهو قولهم "إحدى الإحَد"، ولا يَتمّ التنظير لأن قولهم "إحدى الإحَد" جرى مجرى المثل في استعظام الأمر في الشر أو الخير، وقرينةُ إرادة الاستعظام إضافةُ "إحدى" إلى اسم من لفظها، فلا يقتضي أنه معنى يُراد في حالة تجرد "إحدى" عن الإضافة"(التحرير والتنوير 22/332).



فكأنّ محمود شاكر التقط قول الزمخشري والتقط معه ما وجده في شرح أبي بكر البطليوسي (وكان مخطوطا حينئذ) من قوله في شرح بيت النابغة: "إحدى بَلِيٍّ: أي واحدةُ القبيلة تعظيمًا لها وإكبارًا لحُسْنها" (شرح الأشعار الستة1/278، ط الفارابي)، مُوهِمًا أن الفكرة من استنباطه، ضامًّا إليهما ما وجده في اللسان ونحوه من كتب اللغة من قولهم: "هذا إحدى الإحَد وأحَدُ الأحَدِين.. أَبْلغُ المدح"، وقولهم: "إحدى بناتِ طَبَق: الداهية، وقيل الحيّة"، وقولهم: "لا يقوم بهذا الأمر إلا ابنُ إحداها أي كريمُ الآباء والأمهات من الرجال والإبل"، وبَنى على كل ذلك أن "إحدى" تستعمل للتعظيم مطلقا إذا أضيفت إلى اسم القبيلة أو النساء ونحو ذلك! هكذا يرمي الكلام على عواهنه دون أن يسأل نفسه: كيف يمكننا التفريق حينئذ بين معنى المدح ومعنى البعْضِيّة الخالية من التعظيم، لو أراده المتكلم؟! ولكن يبدو أنه لا يقلقه هذا العَفْس ما دام الهدف قد تحقق وهو الإغراب بشيء جديد برّاق! والواقع أن "إحدى" إذا استُعمِلت في غير العدد فدلالتها على حسب سياقها؛ فتأتي بمعنى البَعضيّة، كما في آية: "جاءته إحداهما تمشي على استحياء" وآية "إحدى ابنتيّ هاتين"، أي واحدة منهما (ولكن الكلمة هنا على فهم شاكر للتعظيم؛ أي إحدى المرأتين متفردةٌ ومتفوقةٌ على الأخرى!!)، وكقوله: "قل هل تَرَبَّصون بنا إلا إحدى الحُسْنَيَيْن" أي واحدة منهما؛ النصر أو الشهادة، وكلتاهما أحسن من غيرهما (ولكن المعنى على فهم شاكر: تتربصون بنا أعظم الحسنيين!!). في حين أن سياقاً آخر يعطيها معنى التعظيم، وهذا - فيما رأيت من الشواهد - إما أن يكون بسبب الإضافة إلى كلمة من لفظها مثل "إحدى الإحَد"، أو الإضافة إلى كلمة بمعنى ما هو من لفظها مثل "إحدى الكُبَر"، ومن هذا ما جرى مجرى الأمثال كقولهم "إحدى بناتِ طَبَق" و"إحدى حُظَيّاتِ لقمان" و"إحدى ليالِيكِ فَهِيْسِي هِيْسِي" و"إحدى نَوادِهِ البَكْر". وأما توجيه الزمخشري "إحدى الأمم" إلى :الأمّة التي يُقال لها:"إحدى الأمم" فهو من بِدَعِه اللغوية، فكما أن للمعتزلة بِدَعًا في العقيدة والتفسير فكذلك لهم بدع واختراعات في اللغة يؤيدون بها آراءهم وأهواءهم، فعبارة "إحدى الأمم" لا يدل سياقها على التعظيم، فليست مضافة إلى كلمة من لفظها، ولا كلمة من معنى لفظها، ولم تأت في مَثَل أو ما جرى مجرى المثل.



وغيرُ مناسِبٍ أن تكون "إحدى"في الأبيات الثلاثة التي استشهد بها للتعظيم، لأن مقام الأبيات غزل، واستعمال "إحدى" في التعظيم خاص بما له شأن وخطر، والشواهد المذكورة بيّنة في هذا المعنى، ولا يناسب هذا أبيات التشبيب! فإحدى في هذه الأبيات وما ماثلها بمعنى البعْضية، أي أن المحبوبة واحدة من نساء كلاب بن عامر، أو نساء بَلِيّ، أو نساء بني ذهل بن شيبان. والشاعر حين يبهم اسم المحبوبة في هذا المقام فعلى ما جرت به عادة العرب من الحياء والستر على المرأة أو الخوف من عواقب التصريح بالاسم، وليس تعظيماً كما جاء في شرح البطليوسي مأخوذًا من غيره دون ذكر اسمه، وقلّده - أظن - محمود شاكر. وما قد يذكره الشاعر أحياناً من اسم مقارن لقوله: "إحدى" (كما في قول النابغة في البيت السابق: بانت سعاد..) فليس لازماً أن يكون اسماً حقيقياً بل كثيراً ما يكون رمزاً يُسمِّي به الشاعر محبوبته.



وكثيراً ما تقع هذه العبارة في الأحاديث لأغراض مختلفة، ظهر لي منها من خلال استعراض جملة من الأحاديث ما يلي: التعريف؛ كما في حديث سعيد بن المسيب عن أم شَرِيك في قتل الوَزَغ، قال فيه الراوي: "وأُمّ شريك إحدى نساء بني عامر "(مسلم 2237). والإبهام ؛ إذا كان الموضوع مما يُسْتحيا منه كحديث بُسْرة بنت صفوان "أن إحدى نساء بني كنانة قالت يا رسول كيف ترى في إحدانا تمس فرجها والرجل يمس ذكره بعدما يتوضأ ؟" (سنن البيهقي 1/133). وعدم الحاجة إلى ذكر الاسم؛ كما في حديث عمر: وافَقْتُ ربي في ثلاث، وفيه:"حتى أتيتُ إحدى نساء رسول الله.."(البخاري 4483)، وفي رواية: "إحدى أمهات المؤمنين" (صحيح ابن حبان 6896)، فإذا فَهِم أحدُ القراء من هذه العبارة معنى التعظيم وانفراد المرأة المقصودة عن النساء حتى لا يكون لها منازع كما قال محمود شاكر فهذا راجع إلى خيالاته وأوهامه، وليس في النص ما يدل عليه، فضلاً عن أن يُجْعَل استدراكاً على اللغويين! فالمعنى قرينُ الدليل والعلامة، من سياقِ مقالٍ أو مقامٍ، وإلا جاز لكل متوهم أو مجازف أو متكلف أن يدعي ما شاء كيفما شاء!




  • أستاذ اللسانيات الثقافية في جامعة الطائف

  •